محمد بن محمد ابو شهبة
180
المدخل لدراسة القرآن الكريم
فإن قيل ، فما العلة قلنا : هي ما قدمنا من أن الأحرف السبعة ، التي جعلت للتيسير ، ورفع الحرج أضحت سببا للنزاع والاختلاف ، بل والتكفير على نحو ما قلنا آنفا . الشبهة الثالثة : إن قيل : كيف يلتئم هذا الرأي الذي اخترتموه في تأويل الحديث مع ما أثر عن عثمان - رضي اللّه عنه - أنه قال للرهط القرشيين الذين كانوا مع « زيد بن ثابت » في نسخ المصاحف : « ما اختلفتم فيه - أنتم وزيد - فاكتبوه بلسان قريش ! فإنما نزل بلسانهم » . قلنا في الجواب : إن قول عثمان محمول على ابتداء نزوله ، وهو الحرف الأول الذي نزل به جبريل ، وطلب النبي صلى اللّه عليه وسلم الزيادة عليه ؛ فقد نزل جبريل بهذا الحرف أولا ، ثم كان يأتي بالحروف في عرضاته القرآن مع النبي كل عام في رمضان ، فكان ينزل اللّه - سبحانه - في هذه العرضات ما شاء أن ينزل من ألفاظ اللغات الأخرى ، التي تدعو إليها الحاجة ، ثم كان أن استقر الأمر آخرا بعد زوال الضرورة على هذا الحرف ، وهو لغة قريش . أو يكون مراد عثمان : أن معظمه وأكثره نزل بلغة قريش . نقل الإمام « أبو شامة » عن بعض الشيوخ أنه قال : « أنزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها ، على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغة إلى أخرى للمشقة ، ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد ، كل ذلك مع اتفاق المعنى ، وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة كما تقدم ، وتصويب رسول اللّه كلا منهم » . قال الحافظ « ابن حجر » معلقا : وتتمة ذلك أن يقال : إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي ، أي أن كل واحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته ، بل المراعى في ذلك السماع من النبي صلى اللّه عليه وسلم ويشير إلى ذلك قول كل